مركز الحق للديمقراطية و حقوق الانسان
دفاعا عن حقوق الانسان

عدم دستورية الفقره الاولى من المادة العاشرة من قانون التظاهر

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة العاشرة من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣.

0
Read Time:17 Minute, 52 Second

مضمون الحكم

حكمت المحكمة بعدم دستورية نص الفقرة الأولى من المادة العاشرة من قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣. بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية. وسقوط نص الفقرة الثانية من هذه المادة, ورفض ما عدا ذلك من الطلبات, مع إلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

الحكم

باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثالث من ديسمبر سنة ٢٠١٦م، الموافق الرابع من ربيع الأول سنة ١٤٣٨ هـ.
برئاسة السيد المستشار / عبد الوهاب عبد الرازق رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: الدكتور حنفي علي جبالي ومحمد خيري طه النجار والدكتور عادل عمر شريف ورجب عبد الحكيم سليم وبولس فهمي إسكندر وحاتم حمد بجاتو نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور / طارق عبد الجواد شبل رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمد ناجي عبد السميع أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم ١٦٠ لسنة ٣٦ قضائية “دستورية”.
وحيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – في أن المدعي تقدم، في ٢٥ من أبريل سنة ٢٠١٤، بطلب إلى قسم شرطة حدائق القبة، للتصريح له بتنظيم مسيرة سلمية حدد موعدها ومسارها والغرض منها، وفي اليوم السابق على الموعد الذي حدده للمسيرة أفاد مأمور القسم بعدم الموافقة على طلبه؛ لتوقع التعدي على المسيرة وحدوث تداعيات أمنية، وإذ طلب المدعي تحديد موعد آخر لإقامة المسيرة وتحديد خط سير مغاير، رفض مأمور القسم ذلك، مما حدا بالمدعي إلى إقامة الدعوى رقم ٥١٨٠١ لسنة ٦٨ ق، أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة (الدائرة الأولى)، طالباً الحكم، بصفة مستعجلة، بوقف تنفيذ القرار الصادر من المدعى عليهم بمنعه من تنظيم مسيرة بمحيط منطقة حدائق القبة، وما يترتب على ذلك من آثار، أخصها تحديد موعد آخر لإقامة وتنظيم هذه المسيرة، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار. وتدوولت الدعوى أمام محكمة القضاء الإداري، وبجلسة ١٧ من يونيو سنة ٢٠١٤، دفع الحاضر عن المدعي بعدم دستورية نصي المادتين الثامنة والعاشرة من القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، فقررت تلك المحكمة تأجيل نظر الدعوى لجلسة ٢١ من أكتوبر سنة ٢٠١٤، وصرحت للمدعي بإقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى المعروضة.
بتاريخ الثالث عشر من سبتمبر سنة ٢٠١٤، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية نصي المادتين الثامنة والعاشرة من القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرتين، طلبت فيهما الحكم بعدم قبول الطلب المبدى من المدعي أمام هيئة المفوضين بعدم دستورية نصي المادتين المطعون فيهما لصدورهما بقرار بقانون دون إتباع الإجراءات الشكلية التي نص عليها الدستور؛ لعدم صحة اتصاله بالمحكمة، وبرفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحاضر الجلسات، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة.
وحيث إن المدعي دفع بعدم صلاحية السيد المستشار / عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق، لنظر الدعوى، بحسبانه من أصدر القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ المشار إليه، إبان تقلده رئاسة الجمهورية خلال المرحلة الانتقالية، وكذا عدم صلاحية السادة المستشارين أعضاء المحكمة الدستورية العليا كافة لنظر الدعوى، لقيام المودة بينهم وبين المستشار / عدلي منصور، مما قد يؤثر على حيدتهم، ويجعلهم أميل لمؤازرته، والتأكيد على صحة ما ذهب إليه عند إقرار القرار بقانون، المتضمن النصين المطعون فيهما، وإصداره.
وحيث إنه لما كان السيد المستشار / عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق، قد تقاعد قبل أولى الجلسات المحددة لنظر الدعوى المطروحة، فإن الخصومة تغدو منتهية بالنسبة لطلب الحكم بعدم صلاحيته لنظرها.
وحيث إنه عن الدفع بعدم صلاحية السادة أعضاء المحكمة الدستورية العليا كافة لنظر الدعوى، فإنه ينحل، في حقيقته، إلى طلب رد هيئة المحكمة بكاملها، وإن تمسك المدعي بعدم صلاحية هيئة المحكمة، ذلك أن المدعي قد شيد طلبه بعدم الصلاحية على ما قرره من قيام المودة بين الهيئة ورئيسها السابق، مصدر القرار بقانون المطعون فيه، على نحو يمنعها – في ظنه – من القضاء في الدعوى المعروضة بغير ميل أو هوى، وكان قيام المودة بين القاضي وأحد الخصوم، لا يندرج ضمن أسباب عدم الصلاحية الواردة حصراً في المادة (١٤٦) من قانون المرافعات، بل هو سبب من أسباب الرد الواردة في المادة (١٤٨) من القانون ذاته، والتي تنص على أنه “يجوز رد القاضي لأحد الأسباب الآتية:
١ – إذا كان له أو لزوجته دعوى مماثلة للدعوى التي ينظرها، أو إذا جدت لأحدهما خصومة مع أحد الخصوم، أو لزوجته بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي ما لم تكن هذه الدعوى قد أقيمت بقصد رده عن نظر الدعوى المطروحة عليه.
٢ – إذا كان لمطلقته التي له منها ولد أو لأحد أقاربه أو أصهاره على عمود النسب خصومة قائمة أمام القضاء مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجته ما لم تكن هذه الخصومة قد أقيمت بعد قيام الدعوى المطروحة على القاضي بقصد رده.
٣ – إذا كان أحد الخصوم خادماً له، أو كان هو قد اعتاد مؤاكلة أحد الخصوم أو مساكنته، أو كان تلقى منه هدية قبيل رفع الدعوى أو بعده.
٤ – إذا كان بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة يرجح معها عدم استطاعته الحكم بغير ميل”. لما كان ذلك، وكان التكييف الصحيح لطلب المدعي الوارد في صحيفة دعواه الدستورية، الذي ما انفك متمسكاً به في جلسات المرافعة، هو طلب رد كامل أعضاء هيئة المحكمة الدستورية العليا، وكان قانون المرافعات قد أوجب في المادة (١٥٣) حصول الرد بتقرير يودع قلم كتاب المحكمة التي يتبعها القاضي المطلوب رده، يوقعه الطالب نفسه، أو وكيله المفوض فيه بتوكيل خاص يرفق بالتقرير، على أن يشتمل الرد على أسبابه، وأن يرفق به ما قد يوجد من أوراق أو مستندات مؤيدة له؛ فضلاً عن إيداع طالب الرد كفالة مقدارها ثلاثمائة جنيه، وكان المدعي قد تنكب السبيل الذي حدده قانون المرافعات لرد القضاة، فضلاً عن رده أعضاء المحكمة الدستورية العليا كافة، وهو الأمر المحظور بموجب نص الفقرة الأخيرة من المادة (١٥) من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٧٩، والتي تنص على أن “ولا يقبل رد أو مخاصمة جميع أعضاء المحكمة أو بعضهم بحيث يقل عدد الباقين منهم عن سبعة”، ومن ثم يكون طلب الرد غير مقبول.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول النعي المبدى من المدعي – أمام هيئة المفوضين أثناء تحضيرها الدعوى – بعدم دستورية القرار بقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ لصدوره دون إتباع الإجراءات الشكلية، بالمخالفة لنص المادة (٢٢٤) من الدستور الحالي، على سند من أنه يعد طلباً جديداً يتجاوز نطاق ما صرحت به محكمة الموضوع، ولم يبد بشأنه دفع أمامها، مما يعد اختصاماً لذلك القرار بقانون وطعناً عليه بطريق مباشر، ومن ثم فلا يكون قد اتصل بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في المادة (٢٩ / ب) من قانونها.
وحيث إن هذا الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة مردود؛ ذلك أن قضاء هذه المحكمة مطرد على أن نطاق الخصومة الدستورية إنما يتحدد بنطاق الدفع بعدم الدستورية المبدى أمام محكمة الموضوع، وفي الحدود التي تقدر فيها جديته، فإذا ما اتصلت الدعوى الدستورية اتصالاً صحيحاً بالمحكمة الدستورية العليا؛ جالت المحكمة ببصرها في النصوص المعروضة عليها، وعرضتها على نصوص الدستور جميعاً، دون التقيد بالمناعي التي أوردها المدعون في صحيفة دعواهم أو في مذكراتهم، ومن ثم فلا تثريب على المدعين إن هم أضافوا مناعي جديدة إلى المناعي التي تضمنتها صحيفة الدعوى الدستورية؛ شريطة أن تنصب هذه المناعي على النصوص الداخلة في نطاق الدفع المبدى أمام محكمة الموضوع وفي الحدود التي قدرت فيها جديته. لما كان ذلك، وكان المدعي قد أضاف، أثناء تحضير الدعوى، منعى جديداً، انصب على نصي المادتين الثامنة والعاشرة من القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ السالف الإشارة إليه، وهما المادتان عينهما اللتان تمثلان محل الدعوى المعروضة، فمن ثم يكون المدعي ما فتئ ملتزماً حدود دعواه الدستورية، ويكون الدفع المبدى من هيئة قضايا الدولة قد ورد على غير سند؛ متعيناً الالتفات عنه.
وحيث إن المادة الثامنة من القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية تنص على أن “يجب على من يريد تنظيم اجتماع عام أو تسيير موكب أو تظاهرة أن يخطر كتابة بذلك قسم أو مركز الشرطة الذي يقع بدائرته مكان الاجتماع العام أو مكان بدء سير الموكب أو التظاهرة، ويتم الإخطار قبل بدء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة بثلاثة أيام عمل على الأقل وبحد أقصى خمسة عشر يوماً، وتقصر هذه المدة إلى أربع وعشرين ساعة إذا كان الاجتماع انتخابياً، على أن يتم تسليم الإخطار باليد أو بموجب إنذار على يد محضر، ويجب أن يتضمن الإخطار البيانات والمعلومات الآتية:
١ – مكان الاجتماع العام أو مكان وخط سير الموكب أو التظاهرة.
٢ – ميعاد بدء وانتهاء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة.
٣ – موضوع الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، والغرض منها، والمطالب والشعارات التي يرفعها المشاركون في أي منها.
٤ – أسماء الأفراد أو الجهة المنظمة للاجتماع العام أو المواكب أو التظاهرة وصفاتهم ومحل إقامتهم ووسائل الاتصال بهم”.
وتنص المادة العاشرة من القرار بالقانون ذاته على أن “يجوز لوزير الداخلية أو مدير الأمن المختص في حالة حصول جهات الأمن – وقبل الميعاد المحدد لبدء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة – على معلومات جدية أو دلائل عن وجود ما يهدد الأمن والسلم، أن يصدر قراراً مسبباً بمنع الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة أو إرجائها أو نقلها إلى مكان آخر أو تغيير مسارها، على أن يبلغ مقدمي الإخطار بذلك القرار قبل الميعاد المحدد بأربع وعشرين ساعة على الأقل.
ومع عدم الإخلال باختصاص محكمة القضاء الإداري، يجوز لمقدمي الإخطار التظلم من قرار المنع أو الإرجاء إلى قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية المختصة على أن يصدر قراره على وجه السرعة”.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطاً لقبول الدعوى الدستورية، ومناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم في المسألة الدستورية لازماً للفصل في الطلبات المرتبطة بها المطروحة أمام محكمة الموضوع، متى كان ذلك، وكان المدعي قد أقام دعواه الموضوعية إثر منع الشرطة التظاهرة التي أخطر قسم شرطة حدائق القبة بعزمه على تنظيمها، طلباً للحكم بوقف تنفيذ قرار المنع وإلغائه، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها تحديد موعد آخر لتنظيم وإقامة التظاهرة، وكان الدفع بعدم الدستورية الذي أبداه المدعي أمام محكمة الموضوع يتوخى في حقيقته القضاء بعدم دستورية ما قضت به المادة الثامنة من القرار بقانون آنفة البيان من تنظيم للإخطار بالتظاهرة، وكذلك ما قضت به الفقرة الأولى من المادة العاشرة من القرار بالقانون ذاته من منح جهة الإدارة، ممثلة في وزير الداخلية أو مدير الأمن المختص، سلطة منع التظاهرة أو نقلها أو إرجائها، ومن ثم فإن مصلحة المدعي الشخصية المباشرة في الدعوى المعروضة تكون متوافرة وينحصر نطاق تلك الدعوى في نصي المادة الثامنة والفقرة الأولى من المادة العاشرة من القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية.
وحيث إن المدعي ينعى على النصين المطعون فيهما؛ عدم ارتكان القرار بقانون المتضمن لهما على سبب صحيح لإصداره، ووقوع المشرع في حومة الغلط البين في التقدير، وإهدار النصين المطعون فيهما لمبدأ سيادة القانون، والانحراف بالسلطة التشريعية، وصدور القرار بقانون دون إتباع الإجراءات الشكلية المنصوص عليها في الدستور؛ ذلك أن المشرع الدستوري، بعد ثورة ٢٥ من يناير سنة ٢٠١١، وعبر الوثائق الدستورية المختلفة، قد وضع من القيود ما يكفل الفصل بين السلطات، وخاصة فيما يتعلق بكف رئيس الجمهورية عن سلطة التشريع، بالحد من الحالات التي يجوز له فيها إصدار قرارات لها قوة القانون، فلا يكون لرئيس الجمهورية المنتخب، بموجب نص المادة (١٥٦) من الدستور القائم، إصدار تشريع، في غيبة البرلمان، إلا إذا توافرت الظروف الاستثنائية التي جعلها الدستور سبباً لإصدار القرار بقانون، فإذا لم تتوافر؛ فقد القرار بقانون مسوغ إصداره ووقع باطلاً، ومن باب أولى؛ لا يملك رئيس الجمهورية المؤقت سلطة التشريع لغير مواجهة حالة تقتضي مواجهتها بتدابير لا تحتمل التأخير، وإلا أضحت التشريعات مفتقرة لسبب صحيح لإصدارها، وهو ما لم يتوافر في شأن القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ الذي صدر في غير حالات الضرورة الملجئة. إضافة إلى أن ما نصت عليه المادة الثامنة من تحديد حد أقصى للإخطار بالتظاهرة أو التجمع بخمسة عشر يوماً يتنافى مع طبيعة الدعوى للتظاهرة، كما أن ما نصت عليه المادة العاشرة من إيلاء جهة الإدارة سلطة منع التظاهرة أو التجمع لأسباب مبهمة وغير محددة يجعل الإخطار، في حقيقته، ترخيصاً، وهو ما يفرغ النص الدستوري الذي كفل حق التظاهر من مضمونه، وينحل عدواناً على حرية الرأي والحق في التعبير والحق في التظاهر السلمي وسيادة القانون؛ مخالفاً بذلك نصوص المواد (١، ٤، ٥، ١٥، ٥٣، ٦٥، ٧٣، ٨٥، ٨٧، ١٥٦، ١٩٠، ١٩٢، ٢٠٦) من الدستور.
وحيث إنه عما ينعاه المدعي على القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية أنه صدر بالمخالفة للأوضاع الدستورية المقررة بالدستور لصدوره دون توافر الضرورة الملجئة لإصداره؛ فإن استيثاق هذه المحكمة من استيفاء النصوص التشريعية المطعون فيها للأوضاع الشكلية المقررة دستورياً، يعد أمراً سابقاً بالضرورة على خوضها في عيوبها الموضوعية، وكانت الأوضاع الشكلية للقانون من حيث اقتراحه وإقراره وإصداره تحكمه الوثيقة الدستورية الصادر في ظل سريانها، وكان البند الأول من المادة (٢٤) من الإعلان الدستوري الصادر في الثامن من يوليو سنة ٢٠١٣، والذي صدر القرار بالقانون المعروض في ظل سريان أحكامه، قد ناط سلطة التشريع برئيس الجمهورية المؤقت، وهي سلطة لم يقيدها الإعلان الدستوري المشار إليه بأي قيد سوى أخذ رأي مجلس الوزراء، وهو ما التزمه القرار بالقانون المعروض على النحو الوارد في ديباجته، ومن ثم تكون سلطة التشريع المخولة لرئيس الجمهورية، أثناء سريان ذلك الإعلان الدستوري، سلطة تشريع أصلية لا استثنائية، يترخص له ممارستها، وليس للمحكمة الدستورية العليا، من بعد، أن تزن بنفسها، وبمعاييرها، ما إذا كان التنظيم التشريعي المعروض عليها لازماً، وما إذا كان إقراره في مناسبة بعينها ملائماً، وليس لها إلا أن ترد النصوص التشريعية المطعون عليها إلى أحكام الدستور؛ ومن ثم فإن المناعي الشكلية التي نسبها المدعي إلى القرار بالقانون المطعون فيه تكون مفتقرة للسند متعيناً رفضها.
وحيث إن الرقابة على دستورية القوانين، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التي تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة إنما تستهدف أصلاً، وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة، صون الدستور القائم وحمايته من الخروج على أحكامه وأن نصوص هذا الدستور تمثل دائماً القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التي يتعين التزامها، ومراعاتها، وإهدار ما يخالفها من تشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة. ومن ثم فإن هذه المحكمة تباشر رقابتها على النصين المطعون فيهما، محددين نطاقاً على النحو المتقدم بيانه، من خلال أحكام الوثيقة الدستورية الصادرة في ١٨ يناير سنة ٢٠١٤.
وحيث إن المادة (٧٣) من الدستور تنص على أن “للمواطنين حق تنظيم الاجتماعات العامة، والمواكب والتظاهرات، وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية، غير حاملين سلاحاً من أي نوع، بإخطار على النحو الذي ينظمه القانون ….”.
وحيث إن مفاد ذلك أن الدستور قد عني في المادة (٧٣) منه بحق الاجتماع وما يتفرع عنه من حقوق كالحق في تنظيم المواكب والتظاهرات، وجميع أشكال الاحتجاجات السلمية، بحسبان حق الاجتماع هو الملاذ الأمثل والبيئة الأفضل لممارسة حرية التعبير، تتفاعل الآراء من خلاله، وتتلاقى الأفكار وتتصادم عبره، وتنضج المفاهيم وتصقل الخبرات عن طريقه، استيلاداً لرؤى أكثر تطوراً، يساهم بها الأفراد في بناء مستقبل أكثر إشراقاً لمجتمعاتهم، فحرية التعبير، في مضمونها الحق، تفقد قيمتها إذا جحد المشرع حق من يلوذون بها في الاجتماع المنظم، وحجب بذلك تبادل الآراء في دائرة أعرض، بما يحول دون تفاعلها وتصحيح بعضها البعض، ويعطل تدفق الحقائق التي تتصل باتخاذ القرار، وكذلك تشكيل روافد الشخصية الإنسانية التي لا يمكن تنميتها إلا في شكل من أشكال الاجتماع، بل إن حرية القول والصحافة والعقيدة، لا يمكن ضمانها ضماناً كافياً، إلا عن طريق اجتماع تتكتل فيه الجهود للدفاع عن مصالح بذواتها، يكون صونها لازماً لإثراء ملامح من الحياة يراد تطويرها اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، بما يكفل تنوع مظاهرها واتساع دائرتها من خلال تعدد الآراء التي تطرح على مسرحها.
وحيث إن المقرر في قضاء هذه المحكمة أن الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة، وكان جوهر السلطة التقديرية يتمثل في المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي يتناوله التنظيم، وكان الدستور قد خول المشرع تنظيم الإخطار بممارسة حق تنظيم الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهر وجميع أشكال الاحتجاجات، وذلك في إطار سلطته في هذا التنظيم بما يقدر أنه الأنسب لتحقيق مصلحة الجماعة، وتبعاً لذلك؛ حدد المشرع الجهة التي تتلقى الإخطار في قسم أو مركز الشرطة الذي يقع بدائرته مكان الاجتماع العام أو مكان بدء سير الموكب أو التظاهرة، بحسبان الشرطة هي الجهة المنوط بها عبء اتخاذ التدابير المتعلقة بحماية الاجتماع أو الموكب أو التظاهرة، والمشاركين فيها، وحماية الأرواح والممتلكات الخاصة والعامة، وكيفية درء المخاطر عنها، وتوفير مسارات بديلة للطرق التي تتأثر بإقامتها، ومن ثم فإن تعيين نص المادة الثامنة المطعون فيه قسم أو مركز الشرطة المشار إليه كجهة يوجه إليها الإخطار، يواكب أحكام المادة (٧٣) من الدستور، والمهام التي أوكلها الدستور للشرطة في المادة (٢٠٦) منه في كفالة الطمأنينة والأمن للمواطنين وحفظ النظام العام والآداب العامة واحترام حقوق وحريات الإنسان، كما أوجب نص المادة الثامنة المطعون فيه تمام الإخطار قبل بدء الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة بثلاثة أيام عمل على الأقل وبحد أقصى خمسة عشر يوماً، ما لم يكن الاجتماع انتخابياً فقلصت المدة إلى أربع وعشرين ساعة، إتاحة للوقت الكافي الذي تتمكن فيه جهات الأمن الترتيب للوفاء بالمهام الملقاة على عاتقها، كما أوجب تحقيقاً للغرض ذاته، أن يتضمن الإخطار مكان الاجتماع العام أو مكان وخط سير الموكب أو التظاهرة، وميعاد البدء والانتهاء، ونصت المادة ذاتها على ضرورة تضمين الإخطار موضوع الاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، والغرض منها، والمطالب والشعارات التي يرفعها المشاركون فيها، للوقوف على مدى توافق الاجتماع أو التظاهرة وأحكام الدستور ومقتضيات النظام العام، إذ لا يسوغ إقامة اجتماع أو تظاهرة يكون الغرض منها الحض على التمييز والكراهية ضد طائفة أو جنس، أو ازدراء فئة أو جماعة بعينها، أو التحريض على ارتكاب جرائم، أو مناهضة القيم الديمقراطية، وغني عن البيان أن طلب المشرع لأسماء الأفراد أو الجهة المنظمة للاجتماع العام أو الموكب أو التظاهرة، وصفاتهم، ومحل إقامتهم، ووسائل الاتصال بهم لتسهيل التعرف عليهم والاتصال بهم إذا دعت الحاجة لذلك. ومن ثم يكون التنظيم الذي تخيره المشرع بالنص المطعون فيه قد جاء متفقاً وأحكام الدستور، ولا وجه للتمحل، توصلاً إلى عدم دستورية نص المادة المطعون فيه القول بعدم معقولية وجوب تضمين الإخطار الذي يقدمه المنظمون للموكب أو التظاهرة للشعارات التي يرددها المشاركون، حال كون طبيعة التظاهرة أن ينضم لها من يشاء، وأنها تولد شعاراتها بذاتها دون سيطرة من المنظمين؛ فذلك مردود؛ بأن الشعارات المرفوعة في الاجتماع أو التظاهرة هي التعبير الأدق عن موضوعها والغرض منها، والتجسيد الأصدق لأهدافها ومراميها، فالشعار والموضوع صنوان لا ينفكان، بل يمكن القول أن الشعار الذي يرفعه المتظاهرون أو يطلقونه هو البلورة الحية لغايات التظاهرة وأبعادها، ومن ثم كان الوقوف على هذه الشعارات لازماً للوقوف على مدى توافق الاجتماع أو التظاهرة وأحكام الدستور ومقتضيات النظام العام.
بيد أن هذا لا يمنع أن يفرز التفاعل العفوي للمشاركين في الاجتماع أو التظاهرة، حين انطلاقهما، شعارات أخرى جديدة، حينها لن يسأل عنها، إن كانت محلاً للتأثيم سوى من أطلقها ورددها من المتظاهرين دون غيرهم عملاً بمبدأ شخصية المسئولية الجنائية.
وحيث إن الدستور حرص على أن يفرض على السلطتين التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلاً بصون الحقوق والحريات العامة، وفي الصدارة منها الحق في الاجتماع والتظاهر السلمي، كيلا تقتحم إحداهما المنطقة التي يحميها الحق أو الحرية، أو تتداخل معها، بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة وكان تطوير هذه الحقوق والحريات وإنماؤها من خلال الجهود المتواصلة الساعية لإرساء مفاهيمها الدولية بين الأمم المتحضرة، مطلباً أساسياً توكيداً لقيمتها الاجتماعية، وتقديراً لدورها في مجال إشباع المصالح الحيوية المرتبطة بها، وعلى ذلك، فعلى خلاف الوثائق الدستورية السابقة على دستور ٢٠١٢، نحا الدستور القائم منحى أكثر تقدماً وديمقراطية في صونه حق الاجتماع السلمي وما يتفرع عنه من حقوق، فسلب المشرع الترخص في اختيار وسيلة ممارسة هذه الحقوق، وأوجب ممارستها بالإخطار دون غيره من الوسائل الأخرى لاستعمال الحق وممارسته كالإذن والترخيص، ولما كان الإخطار كوسيلة من وسائل ممارسة الحق، هو إنباء أو إعلام جهة الإدارة بعزم المخطر ممارسة الحق المخطر به، دون أن يتوقف هذا على موافقة جهة الإدارة أو عدم ممانعتها، وكل ما لها في تلك الحالة أن تستوثق من توافر البيانات المتطلبة قانوناً في الإخطار، وأن تقديمه تم في الموعد وللجهة المحددين في القانون، فإذا اكتملت للإخطار متطلباته واستوفى شرائطه قانوناً، نشأ للمخطر الحق في ممارسة حقه على النحو الوارد في الإخطار، ولا يسوغ من بعد لجهة الإدارة إعاقة انسياب آثار الإخطار بمنعها المخطر من ممارسة حقه أو تضييق نطاقه، ولو اعتصمت في ذلك بما يخوله لها الضبط الإداري من مكنات، فالضبط الإداري لا يجوز أن يتخذ تكأة للعصف بالحقوق الدستورية، فإن هي فعلت ومنعت التظاهرة أو ضيقت من نطاقها، تكون قد أهدرت أصل الحق وجوهره، وهوت بذلك إلى درك المخالفة الدستورية.
بيد أن ما تقدم لا يعني أن الحق في الاجتماع أو التظاهر السلمي حق مطلق من ربقة كل قيد، ذلك أن هذين الحقين، وخاصة حق التظاهر السلمي، يمس استعمالهما، في الأغلب الأعم بمقتضيات الأمن بدرجة أو بأخرى، وتتعارض ممارستهما مع حقوق وحريات أخرى، بل قد تنحل عدواناً على بعضها، مثل حق الأفراد في التنقل والسكينة العامة، وغيرها، وهو إخلال يغض الطرف عنه، وعدوان يجري التسامح في شأنه، تغليباً لحقي الاجتماع والتظاهر السلمي بحسبانهما البيئة الأنسب لممارسة حرية التعبير والتي تمثل في ذاتها قيمة عليا لا تنفصل الديموقراطية عنها، وتؤسس الدول الديموقراطية على ضوئها مجتمعاتها، صوناً لتفاعل مواطنيها معها، بما يكفل تطوير بنيانها وتعميق حرياتها، كل ذلك شريطة سلمية الاجتماع والتظاهرات، وتوافقها وأحكام الدستور ومقتضيات النظام العام، وما دام العدوان على الحقوق والحريات الأخرى لم يبلغ قدراً من الجسامة يتعذر تدارك آثاره، ومن ثم يكون محتماً، التزاماً بالقيم الدستورية التي تعليها الدولة القانونية، أن يكون القضاء هو المرجع، في كل حالة على حدة، تلجأ إليه جهة الإدارة حين تروم، لأي سبب من الأسباب، وقف سريان الآثار المترتبة على اكتمال المركز القانوني لمنظم الاجتماع أو التظاهرة، الناشئ من تمام الإخطار الصحيح، ليقرر، حينها، القضاء المختص، دون غيره، ما إذ كانت ثمة مصالح وحقوق وحريات أولى بالرعاية، تجيز منع الاجتماع أو التظاهرة السلمية أو تأجيلهما أو نقلهما أو تعديل مواعيدهما أو تغيير مسار التظاهرة، وذلك على ضوء ما تقدمه جهة الإدارة من دلائل وبراهين ومعلومات موثقة تقتضي ذلك وتبرره. إذ كان ذلك، وكانت الفقرة الأولى من المادة العاشرة من القرار بالقانون رقم ١٠٧ لسنة ٢٠١٣ بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية قد خالفت هذا النظر، فمنحت وزير الداخلية ومدير الأمن المختص حق إصدار قرار بمنع الاجتماع أو التظاهرة المخطر عنها أو إرجائها أو نقلها، فإنها تكون بذلك قد مسخت الإخطار إذناً، مما يوقعها في حمأة مخالفة المواد (١ / ١، ٧٣ / ١، ٩٢ / ٢، ٩٤) من الدستور، ومن ثم يتعين القضاء بعدم دستوريتها.
وحيث إنه نظراً للارتباط الذي لا يقبل الفصل أو التجزئة بين نصي الفقرتين الأولى والثانية من المادة العاشرة من القانون المار ذكره، وإذ انتهت المحكمة فيما تقدم إلى عدم دستورية نص الفقرة الأولى من هذه المادة، فمن ثم يترتب على ذلك سقوط الفقرة الثانية منها، وهو ما يتعين القضاء به.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %
Facebook Comments

Leave A Reply

Your email address will not be published.

language
error

Enjoy this blog? Please spread the word :)

%d مدونون معجبون بهذه: