مركز الحق للديمقراطية و حقوق الانسان
دفاعا عن حقوق الأنسان

اشكاليات حرية الرأي و التعبير في مصر

ازدراء الاديان و بث شائعات تهدد الامن و السلم الاجتماعي البديل الابرز للسب و القذف

افتتاحية  

ان لحرية الراى والتعبيراهمية وقيمة عليا فى المجتمع وهى اساس الابداع وتنمية الفكر الادبى والفنى فى جميع المجالات

يقول الشاعر بيرم التونسى : (لولا النقاد لهلك الناس وطغى الباطل على الحق ولامتطى ظهر الاراذل طهر الافاضل وبقدر ما يخفت صوت الناقد وارتفع صوت الدجال)

حرية الراى والتعبير من خلالها يعطي  المجتمع للفرد نظام سياسى واجتماعى سليم يحترمه ويقدره مما يعطى للفرد القدرة على المشاركةوفاعلية اكثر فىكل مجالات الحياة العامة مما يساهم فى تقدمه.

 

ومثلما تحكم قوانين المنطق نظام الكون فانها ايضا تحكم سياق الفكر الانسانى بما انها جزء من هذ النظام, فحينما تتحقق الحرية فان ذلك يدفع الافكر الانسانى الى اقصى حدود الابداع مما يجعل من الافكار الخلاقة والخيال تصل الى أوج إزدهارها.
على العكس اذا ما صودرت الافكار والحريات مما يؤدى الى الى توقف تدفق الافكار الابداعية والتعصب الفكرى والرغبات المتطرفة المتخلفة ،مما يجعلنا نصل الى نتيجة مهمة للغاية يجب تداركها و هي . 
ان حجب الفكر المستنير المتطور حل محله بصورة فورية كل ماهو متطرف وجاهل.

 

ان العلاقة بين حرية التعبير عن الرأي والديموقراطية علاقه تكامليه فلا يمكن ان تتحقق احداهما في غياب الاخرى .

و حرية الرأي و التعبير  لا يمكن قصرها فقط على حرية النشر للاعلام بل ان الامر ذو نطاق اوسع و اشمل الا ان غير المتخصصين لايدركوا ذلك و هو ما اتضح جليا في الماضي عندما طالبت نقابة الصحفيين المصريين الغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر  هنا   اعتقد العديد من احاد الناس ان الامر يقتصر فقط على الصحفيين و ان القضية قضيتهم وحدهم دون ان يدركوا اهمية و خطورة الامر .

كذلك متى تحدثنا عن حرية التعبير عن الرأي كثيرا منا يعتقد ان الامر يخص فقط الصحفيين و العاملين في مجال الاعلام على الرغم من اتساع الحق ليشمل كل المخاطبين بنصوص التشريعات المنظمة لهذا الحق .

فمثلا حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية تأتي كاحدى روافد حرية التعبير عن الرأي كذلك البحث العلمي واحد من اهم ادواته هي حرية التعبير و الحق في تداول المعلومات و غيره من امور عدة نجدها مرتبطة بحرية الرأي و التعبير لذا فكانت ورقتنا تلك .

 

المقدمة

لا تزال حرية الرأي و التعبير في مصر تعاني من العديد من الاشكاليات و القيود على اكثر من محور ، و على الرغم من ان التعديلات الدستورية الاخيرة في عام 2014م منحت للمصرين مساحات اوسع من حقهم في التعبير عن الرأي و تداول المعلومات و حرية البحث العلمي و الفكر و  الاعتقاد الا ان تلك النصوص الدستورية على الرغم من جودتها لم تترجم على ارض الواقع حتى الان .

ولا تقتصر معاناة المبدعين و الاعلاميين في مصر و المهتمين بحرية التعبير عن الرأي عند هذا الحد فقط لاغير بل تمتد معاناتهم الي ماهو ابعد من ذلك بكثير فتتضافر مع حالات الاعتداء على حرية التعبير و الفكر و الاعتقاد عمليات تأيد شعبية واسعه لتلك الحالات وهو امر غاية في الخطورة حيث ان عملية التأيد الشعبي تلك تمنح القائم على الانتهاك مظلة واسعة من الحماية و هو ما يؤدي دون شك الي امتداد مساحات الانتهاكات لتطول من أيد تلك الانتهاكات في بدايتها.

و عليه فأننا نسعى من خلال ورقتنا تلك القاء الضوء على الوضع الحالي في مصر بشأن حرية الرأي و التعبير و الحق في تداول المعلومات .

 

الدستور و حرية الرأي و التعبير

على الرغم من ان الدستور الحالي و تعديلاته الشاملة في عام 2014 م جاءت جميع نصوصة لتكفل حرية الرأي و التعبير و حرية الاعتقاد و جاءت كافة النصوص الدستورية في هذا الشأن صريحة  و واضحة وقاطعة الا انه على الرغم من تلك الحماية الدستورية لتلك الحقوق فأننا نجد ان كافة القضايا التي اثيرت مؤخرا على الساحة المصرية و التي تم بموجبها احتجاز او الحكم بحبس بعض من الصحفيين او الاعلاميين او رسامي كاريكانير او مصورين  بما يشكل مخالفة لتلك النصوص.

و من خلال السطور التالية سنقوم بالقاء الضوء على ابرز المواد الدستورية التي كفلت حقوق المصريين في التعبير عن ارائهم و افكارهم و تداول المعلومات و نشرها .

بداية يمكننا القول بأن الدستور المصري الحالي  و التعديلات الشاملة التي ادخلت عليه في عام 2014م [1] ومن خلال النظر الي الدستور المصري فأننا  نجد ان الدستور تحدث عن حرية الاعتقاد و انها حرية مطلقة (م 64 )  كما اكد  على ان حرية الفكر و الرأي مكفولة و ان لكل انسان حق التعبير عن رأية بالقول او الكتابة او التصوير او غير ذلك.(م 65 ) بالاضافة الي ان  الدستور اكد على التزام الدولة بكفالة حرية البحث العلمي ( م 66   )  أضافة كفالة حرية الابداع الفني ، و انه على الدولة ان تعمل على رعاية المبدعين وحماية إبداعاتهم، وتوفير وسائل التشجيع اللازمة لذلك( م 67   )  .   و ذهب الدستور الي تقييد دعاوي الحسبة حيث اكد المشرع الدستوري على أنه لا يجوز  رفع أو تحريك الدعاوى لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، ولا توقع عقوبة سالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بسبب علانية المنتج الفني أو الأدبي أو الفكري، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد، فيحدد القانون عقوباتها.

  

و فيما يخص الحق في تداول المعلومات اكد الدستور المصري على ان كافة المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، بل ان الدستور قد اثم  حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمدًا.  ( م 68  ).

و في واحده من ابرز انجازات التعديلات الدستورية في 2014م قام المشرع الدستوري بالغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر فيما عدا جرائم التحريض على العنف أو التمييز (م71) و كانت  الفقره الاولى من المادة 71 قد حظرت فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية بأى وجه أو مصادرتها أو وقفها أو غلقها. ويلاحظ أنه لم يعد من الجائز وقف أو تعطيل أو مصادرة صحيفة أو وسيلة إعلام حتى ولو بموجب حكم قضائى[2]. وأما الفقرة الثانية فقد جاء نصها بأنه “لا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بطريق النشر أو العلانية، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن فى أعراض الأفراد، فإن القانون يحدد عقوبتها”. ونص الدستور يميز بين نوعين من الجرائم يرتكبها الصحفى بطريق النشر أو العلانية:الأولى هى جرائم التحريض على العنف أو التمييز أو الطعن فى الأعراض ، وفى هذه الحالة يجوز للشارع أن ينص على عقوبة سالبة للحرية توقع على الصحفى فى هذه الحالة. والثانية هى الجرائم التى تخرج عن الجرائم السابقة، وفى هذه الحالة ، فإن الدستور وضع قيداً على السلطة التشريعية مضمونه عدم جواز معاقبة الصحفى فى هذه الحالة بعقوبة سالبة للحرية ،غير أنه يجوز أن ينص على العقوبات المالية. وفى هذه الطائفة من الجرائم فإنه متى كانت العقوبة السالبة للحرية غير جائزة أصلاً ، فإن الحبس الاحتياطى فى هذه الجرائم بالتبعية يكون غير جائز.

و قد يبدو للوهلة الأولى أن دستور سنة 2014 قد مضى قدماً فى حماية الصحافة ووسائل الإعلام والصحفيين، فهو لا يجيز الرقابة على الصحف أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها حتى ولو بموجب حكم قضائى، وهو لا يجيز توقيع عقوبة سالبة للحرية على جرائم الصحافة ووسائل الإعلام التى ترتكب بطريق النشر أو غيرها من وسائل العلانية ، ومن ثم لا يجوز حبس الصحفى أو الإعلامى حبساً احتياطياً فى هذه الجرائم. غير أن التحليل الدقيق لنص المادة 71 من الدستور يكشف عن خلل اصاب ذلك النص على الرغم من تميزه حيث منح المشرع الدستوري للشارع العادي مساحاة واسعة لوضع  عقوبة سالبة للحرية فى حال ارتكاب الصحفى لجريمة تتضمن “التحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن فى أعراض الأفراد”. والعبارات التى استخدمها الدستور من “التحريض على العنف” “التمييز” “الطعن فى الأعراض” هى من الاتساع والمرونة وعدم التحديد بما يسمح بتطبيقها على كافة ما يؤديه الصحفى من أعمال. والنتيجة التى تترتب على ذلك أن يتسع نطاق التجريم اتساعاً كبيراً ، ويكون متروكاً لتقدير النيابة العامة ، والتى تملك تكييف الأفعال التى ارتكبها الصحفى واعتبارها مثلاً أنها تتضمن تمييزاً بين المواطنين أو طعناً فى الأعراض. ويترتب على اتساع دائرة التجريم، أن تتسع كذلك دائرة النصوص الإجرائية التى تطبق على هذه الأفعال، فتملك جهات التحقيق فى هذه الحالة استدعاء الصحفى للتحقيق وتوجيه اتهام له والإفراج عنه بكفالة، كما تملك إحالته للقضاء، الذى يجوز له توقيع عقوبة سالبة للحرية فى هذه الحالة.

وهناك نقد آخر يوجه إلى صياغة المادة 71 من الدستور سالفة الذكر وهو أنها لا تضع قيداً على السلطة التشريعية فى تعديل نصوص قانون الصحافة وإلغاء حظر الحبس الاحتياطى فى أنواع الجرائم الثلاثة التى وردت فى نص الفقرة الثانية. فلا يوجد ما يحول دون تدخل السلطة التشريعية والنص على قصر الحصانة من الحبس الاحتياطى على الحالات الأخرى التى لا تتضمن تحريضاً على العنف أو تمييزاً بين الناس أو طعناً فى أعراضهم. ومن جهة ثالثة ، فإنه يبدو من نص المادة 71 أنها قصرت تطبيق حظر فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام “المصرية” ، دون غيرها من  وسائل الإعلام. وهو ما يثير التساؤل عن علة هذا القيد. فالأصل أن الدستور يحمى حرية الصحافة والإعلام من الاطلاع بدورها فى تنوير الرأى العام ونقل المعلومات والأخبار التى تلزم فى وقوف العامة على الحقائق، والتزام الحيادية والمهنية والشفافية وعرض كافة الآراء الفكرية والسياسية والاجتماعية مهما كان وجه الرأى فيها، فإن هذه الرسالة التى تقف وراء كفالة حرية الصحافة والإعلام وتقرير حماية للصحفى فى ممارسته لعمله يتناقض معها أن تتقرر هذه الحماية فقط لوسائل الإعلام المصرية، دون غيرها من وسائل إعلام. وسوف يترتب على نص المادة 71 من الدستور نتائج متناقضة: فإذا قامت صحيفة وسيلة إعلام مصرية بنشر خبر أو برنامج رأت معه سلطات الدولة أنه ينطوى على خروج على قواعد المهنة والقوانين ، فإنها لا تملك الرقابة على الصحيفة أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها ؛ بينما لو كان ذات الخبر أو البرنامج منشوراً أو مذاعاً فى وسيلة إعلام غير مصرية، فإنه يجوز فى هذه الحالة فرض رقابة عليها ومصادرتها ووقفها، بل وإغلاق مقرها بمصر. وأخيراً، فإن حظر وقف الصحيفة أو مصادرتها أو إغلاقها على وجه الإطلاق يغل يد المجتمع فى مجابهة ما قد ينشر أو يذاع فى الصحف أو ووسائل الإعلام ويتضمن مساساً بقيم ومصالح المجتمع. وفى الحقيقة ، فإنه لا يوجد مبرر لغل يد القضاء عن أن يحكم بوقف صحيفة مؤقتاً أو إغلاقها. وإذا كانت هناك خشية فى أن تكون حرية الإعلام مهددة بالأحكام القضائية التى قد تصدر ويتم إلغاؤها بعد الطعن فيها أو التى قد لا تستند إلى تقدير صحيح، فإن هذه الخشية لها ما يبررها، وفى هذه الحالة ينبغى البحث عن الحلول التى تكفل درؤها والحيلولة دون تمكين الإعلام من القيام بدوره. وقد يكون ذلك من خلال اللجوء إلى محكمة أعلى درجة فى النظام القضائى، وهو حل لجأ إليه الشارع فى حال أن رأت النيابة العامة كشف سرية حسابات المتهم البنكية ، إذ يجب عليها أن تلجأ إلى محكمة استئناف القاهرة للحصول على هذا الإذن. ومن الجائز أيضاً أن يتم يعهد البت فى مسألة وقف الصحيفة إلى مجلس له تشكيل قضائى وإعلامى رفيع ، إذ يكون لهذا المجلس القدرة على تقدير مدى الخروج على القيم الدينية والاجتماعية ، وقدر هذا الخروج ، ومدى جسامته ، وكيف يمكن جبره دون التأثير على حرية الإعلام. غير أن الدستور لم ير ذلك ، وخالف بذلك خطة الدساتير المصرية السابقة ، كما أنه خالف أيضاً خطة العديد من الدساتير والتشريعات المقارنة ، فسلب القضاء أو أى سلطة أخرى ذات تشكيل مختلط القدرة على وقف الصحيفة أو وسيلة الإعلام. ولم يتحسب واضعو نص المادة 71 من الدستور من نشر صحيفة إساءة بالغة بالقيم الدينية أو الأخلاقية، كما لو تضمنت سباً أو قذفاً فى الأنبياء أو الرسل ، أو نالت قيماً اجتماعية جديرة بالحماية ، كتحريض طائفة فى المجتمع ضد أخرى أو إثارة الكراهية بين فئات المجتمع ، فكيف يمكن من الناحية التشريعية مواجهة ذلك.

و على الرغم من كل المساحات الواسعة التي منحها الدستور لحرية الرأي و التعبير الا ان تلك المساحات حتى الان لم يتمتع بها المصريين و ذلك بسبب غياب البرلمان لفتره كبيرة اضافة الي ان الدستور اشار في احد نصوصه الانتقالية على الابقاء على التشريعات المخالفة للدستور و العمل بها الي ان يقوم البرلمان  (م 224 )  و هو امر ناتج عن كون هناك العديد من التشريعات التي تخالف نص الدستور الجديد و هو ما يعني انه سيكون هناك فراغ تشريعي اذا ما نسخت تلك التشريعات لمخالفتها للدستور . و هو الامر الذي وضعنا في مأزق عدم تمكنا من التمتع بالحقوق و الحريات التي اقرها الدستور لحين قيام مجلس النواب باصدار التشريعات المكملة للدستور و المنظمة للحقوق و الحريات.

 

المبدعين امام القضاء

ازدراء الاديان و بث شائعات تهدد الامن و السلم الاجتماعي البديل الابرز للسب و القذف

     في الاعوام الخمس الماضية و في اعقاب ثورة 25 يناير تبدل المشهد قليلا فيما يخص مشهد ” جرجرة الصحفيين و الكتاب الي المحاكم ” و جاءت عملية التبديل تلك كنتيجه طبيعية لتغير المناخ السياسي في مصر بشكل عام فقلت حجم دعاوى السب و القذف التي كانت تحرك ضد الصحفيين و حلت محلها دعاوى بث بيانات او اخبار من شانها تهديد السلام الاجتماعي (م102 ) مكرر من قانون العقوبات أضافة الي الاتهام بازدراء الاديان (م 98 و )   من قانون العقوبات المصري .

و يمكننا فهم اسباب الاصرار على مثل تلك الدعاوى حيث انها تبنى على نصوص حماله اوجه ذات عبارات مستطرقة و نصوص سبق و ان حظرت المحكمة الدستوريا العليا من استخدامها حيث اكدت الدستورية في احكام سابقة لها على انه يجب ان تكون النصوص العقابية و الجنائية محددة و واضحة لا التباس فيها بحث يتمكن كل المخاطبين بتلك النصوص فهم فحواها و نصوصها و مناط التجريم فيها

.  وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بأن الأصل فى سلطة المشرع فى موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها وتعتبر تخوما لها لا يجوز اقتحامها او تخطيها وكان الدستور اذ يعهد إلى أى من السلطتين التشريعية والتنفيذية بتنظيم موضوع معين فان القواعد القانونية التى تصدر عن أيهما فى هذا النطاق لا يجوز ان تنال من الحقوق التى كفل الدستور أصلها سواء بنقضها او انتقاصها من أطرافها وإلا كان ذلك عدوانا على مجالاتها الحيوية من خلال إهدارها أو تهشيمها.[3]

و يمكنا القول بأن –  مدى حرية السلطة التشريعية فى مجال التجريم والعقاب: يتوقف تجريم فعل معين على مجموعة من الاعتبارات التى تسود كل مجتمع ، كما يتوقف هذا التجريم على نظرة الشارع فى هذه المجتمعات. فالتجريم فى حقيقة الأمر هو صدى لما يسود المجتمع من اعتبارات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وغيرها. واختيار الشارع لتجريم فعل معين رأى تجريمه دون غيره  و  إذا كانت سلطة الشارع فى اختيار الفعل المجرم وتحديد عقوبته تتسم بالتقدير ؛ فإن سلطته فى النص عليه تتسم بالتقييد بوجوب الالتزام بالضوابط الدستورية فى التجريم والعقاب.

و هو الامر الذي يتنافا كليا مع النصوص التجريميه الخاصة بجرائم النشر او جرائم ازدراء الاديان او جرائم اذاعة بيانات من شأنها تكدير الامن العام او السلام المجتمعي.

و هو الامر الذي يعني ان تلك النصوص الجزائية هي نصوص مخالفة للدستور ليس دستور 2014 فحسب بل انها كانت مخالفة لدستور 1971 .

 

جريمة السب والقذف و ممارسة حق الحرية والتعبير

ان الركن المادي لجريمتي القذف والسب يتشابه في كثير من الاحيان مع الأركان المادية لممارسة حرية التعبير وحق النقد الا ان الفرق الجوهري بينهما هو في طبيعة النشاط واختلاف الركن المعنوي
 ففي ارتكاب الجريمة يكون قصد الفاعل هو الإساءة المتعمدة للمجني عليه والتشهير به لأسباب شخصية بحتة.

 

بينما يكون القصد في ممارسة حرية التعبير وحق النقد هو تحقيق مصلحة عامة ومنها تطوير الأداء العام او تجنب خسائر مالية او كشف جرائم فساد مالي او اداري .

 فاستعمال عبارات متشابهة من شخصين مختلفين قد يقضى لاحدهما بأنه ممارسا لحق النقد وللآخر يعد ارتكاب جريمة لاختلاف القصد لديهما.

نطاق الاباحة في انتقاد الشخصيات العامة

ولا يوجد في القانون المصري أو القانون الفرنسي، نص صريح بالحق في نقد الشخصيات العامة والقائمين بالعمل العام. غير أن القضاء سواء في مصر أو في فرنسا، يجد له أساسا قانونيا استناد إلى الآتي:

1 ـ يتضمن الدستور عادة الحق في حرية الرأي

2 ـ طبيعة عمل الصحافي هو إبداء الرأي وليس سرد الوقائع فقط. فحرمان الصحافي من إبداء رأيه في مهمة من المهام الموكلة إلى إحدى الشخصيات العامة، بما يتضمن ذلك من تقييم صفات هذا الشخص ومدى ملاءمتها للمهمة الموكلة إليه، يتناقض مع طبيعة عمل الصحافي ويعد تكميما للأفواه.

3 ـ جرى العرف على أن الشخصية العامة تتعرض أكثر للانتقاد من الشخص العادي، والعرف يصلح سببا للإباحة وليس للتجريم، والأمر يتعلق هنا بالإباحة.

4 ـ الشخصية العامة تقبل أن تضع نفسها محلا للتقييم من جانب الآخرين بقبولها للمهمة العامة، فالأمر يتعلق بالرضاء الضمني الذي يرفع عن الفعل صفة التجريم.

5 ـ المصلحة العامة تقتضي كشف حقيقة الشخصيات العامة غير المؤهلة للقيام بالعمل العام أو تمثيل الجمهور. وممارسة الحق في نقد القائمين على العمل العام من هذه الشخصيات هو نوع من الرقابة الشعبية.

 وقد أكدت المحكمة الدستورية في مصر على ذلك بقولها: «انتقاد الشخصيات العامة بمراجعة سلوكها وتقييمه، هو حق متفرع من الرقابة الشعبية من يقظة المواطنين المعنيين بالشؤون العامة والحريصين على متابعة جوانبها السلبية وتقرير موقعهم منها». لذا، فقد قضى بأنه «من الخطأ افتراض سوء القصد بمجرد القذف ولمحكمة النقض أن تبحث جميع ظروف الدعوى لتتبين إذا كان ناشر المقال المشتمل على الطعن قد أراد منفعة البلاد أو أنه لم يرد إلا الإضرار بالأشخاص الذين طعن عليهم».

6 ـ ضعف التفرقة بين العمل العام والحياة الخاصة للشخصية العامة.

قد أيدت المحكمة الدستورية في مصر هذا الاتجاه عندما قضت أن «انتقاد القائمين بالعمل العام، وان كان مريرا، يظل متمتعا بالحماية التي كفلها الدستور لحرية التعبير عن الآراء بما لا يخل بالمضمون الحق لهذه الحرية أن يجاوز الأغراض المقصودة من إرسائها. وليس جائزا بالتالي أن تفترض في كل واقعة جرى إسنادها إلى أحد القائمين بالعمل العام أنها واقعة زائفة أو بأن سوء القصد قد خالطها. كذلك فإن الآراء التي تم نشرها في حق أحد ممن يباشرون جانبا من اختصاص الدولة لا يجوز تقييمها منفصلة عما توجبه المصلحة العامة في أعلى درجاتها من عرض انحرافاتهم، وأن يكون المواطنون على بينة من دخائلها ويتعين دوما أن تتاح لكل مواطن فرصة مناقشتها واستظهار وجه الحق فيها».

وصرحت المحكمة في هذا الحكم بأن الطبيعة البناءة للنقد لا تفيد لزوما رصد كل عبارة احتواها مطبوع وتقييمها منفصلة عن سياقه بمقاييس صارمة. ذلك أن ما قد يراه إنسان صوابا في جزئية بذاتها، قد يكون الخطأ بعينه عند آخرين، ولا شبهة في أن المدافعين عن آرائهم ومعتقداتهم كثيرا ما يلجأون إلى المغالاة، وأنه إذا أريد لحرية التعبير أن تتنفس في المجال الذي لا يمكن أن تحيا من دونه فإن قدرا من التجاوز يتعين التسامح فيه، ولا يسوغ بحال أن يكون الشطط في بعض الآراء مستوجبا إعاقة تداولها وتقتضي الحماية الدستورية لحرية التعبير، بل وغايتها النهائية في مجال انتقاد القائمين بالعمل العام أن يكون نفاذ الكل إلى الحقائق المتصلة بالشؤون العامة وإلى المعلومات الضرورية الكاشفة عنها متاحا.

جريمة ازدراء الاديان في التشريعات المصرية

 

النص الذي يعاقب على ازدراء الاديان تم اقحامه الباب الثاني الجنايات والجنح المضرة بالحكومة من جهة الداخل

 

 

 

 

هناك باب مستقل يتعلق بالجرائم المتعلقة بالاديان فما الداعي لنص جديد لازدراء الاديان

 

 

 

 

في عهد الرئيس الراحل ” محمد انور السادات ” تم تعديل قانون العقوبات المصري و تم اضافة نص المادة (98و) و التي نصت  على أنه  يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تتجاوز الـ5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز الـ1000 جنيه كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو الكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار منطوقة بقصد الفتنة أو تحقير أو ازدراء الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي  و قد تم استحداث هذا النص بحجه  تزايد نفوذ التيارات الدينيه التي سيطرت على منابر المساجد و شنت من خلالها هجمات حاده على الدين المسيحي و المسحيين في مصر.

الا ان الاغرب في هذا النص انه تم وضعه في الباب الثاني من قانون العقوبات و هو القسم الخاص بالجنايات و الجنح المضرة بالحكومة من جهة الداخل . و هو ما يؤكد على ان هذا النص الدخيل  لا علاقة له مُطلقاً [4]بأي شأن ديني أو عقائدي، بل إن القانون يختص بتحديد الاتهامات المعنية بقلب نظام الحُكم، أو الإضرار بالوضع الاقتصادي للبلاد، وكل ما له علاقة بما نُطلق عليه “جرائم أمن الدولة ، ولم يتم إدراج القانون مع قوانين التعدي على الأديان.

الشئ الابرز ان هذا النص بتركيبته المطاطية، يتيح  لأي شخص أن يستهدف أي صاحب رأي ببلاغات ودعاوى كيدية، متهماً إياه بازدراء أو تحقير أو إهانة الدين، فهو لا يضع مفاهيم واضحة للمصطلحات التي يذكرها، مثل “ازدراء وتحقير الدين” أو “الإضرار بالوحدة الوطنية”، الأمر الذي يتيح إمكانية تفسيرها بما تقتضيه المصلحة.

و عليه فأننا نجد نص الماده (98 و ) وحيدا و بعيدا عن النصوص الخاصة بالجرائم المتعلقة بالاديان و التي تمتلئ بها البنية التشريعية المصريه فنص المادة ( 161) و التي اشارت الي انه يعاقب بتلك العقوبات على كل تعد يقع بإحدى الطرق المبينة بالمادة (  171)  – و هي طرق النشر – على أحد الأديان التي تؤدي شعائرها علناً. ويقع تحت أحكام هذه المادة كل من طبع أو نشر كتاباً مقدساً في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدي شعائرها علناً إذا حرف عمداً نص هذا الكتاب تحريفاً يغير من معناه أو قدم تقليداً أو احتفالاً دينياً في مكان عمومي أو مجتمع عمومي بقصد السخرية به.

بالاضافة الي نص المادة ( 176) : على أنه يعاقب بالحبس كل من حرض على التمييز ضد طائفة من طوائف الناس بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة إذا كان من شأن هذا التحريض تكدير السلم العام.

التوصيات الختامية

1-    على رئيس الجمهورية ان يعمل على أصدار عفوا رئاسي في قضايا النشر الاخيرة و التي انتهت بعقوبات سالبة للحرية بالمخالفة لدستور 2014م

2-     على البرلمان المصري ان يسارع الي تبني مشروع قانون الاعلام الموحد الذي تتبناه نقابة الصحفيين المصريين

3-    على البرلمان ان يتنبي جملة المشروعات بقوانين التي سبق و ان اعدتها منظمات المجتمع المدني و الائتلاف الوطني لحرية الاعلام و التي تضمن حماية حرية الرأي و التعبير و الحق في تداول المعلومات.

4-    على البرلمان ان يعمل على الاسراع في اصدار التشريعات المكملة للدستور  و التشريعات التي من شأنها اعمال الدستور المصري في اسرع وقت ممكن .

   لتحميل التقرير كاملا 

 

[1] تم اعداد الدستور المصري و الاستفتاء عليه في عام 2012م الا انه بعد ثورة الثلاثين من يونيو تم تعطيل الدستور و تشكيل لجنة من الخبراء لاجراء تعديلات شامله ثم تشكيل لجنة عرفت باسم لجنة الخمسين مثلت فيها كافة طوائف الشعب المصري  قامت اللجنة بالعمل على تعديل دستور 2012 بشكل كامل ثم اجري الاستفتاء على تلك التعديلات التي كانت اقرب الي دستور جديد في عام 2014م

 

[2]  الضوابط الدستورية لنصوص التجريم والعقاب  فى قضاء المحكمة الدستورية العليا  الدكتور أشرف توفيق شمس الدين – الجزء الاول – مجلة المحكمة الدستوريا العليا

 

[3]  المحكمة الدستورية العليا جلسة 6 يناير سنة 2001 ،  مجموعة الأحكام س 9 ، ص 843.

[4]  الاستاذ حمدي الاسيوطي – كتاب – ازدراء الأديان.. تاريخ من القمع – •الناشر – منتدى الشرق الاوسط للحريات – القاهرة 2015

Facebook Comments

Leave A Reply

Your email address will not be published.

language
%d مدونون معجبون بهذه: